أبو عبيد البكري الأندلسي الأونبي

195

فصل المقال في شرح كتاب الأمثال

جيشه غانم ، وجاره سالم ، وأما الذي يليه فوثاب ، ليث غاب ، سريع الجواب ، عتيد الصواب ، كريم النصاب . وأما الذي يليه فمدرك ، بذول لما يملك ، عزوف عما يترك ، يغني ويهلك ، وأما الذي يليه فجندل ، مقل لما تحمل ، يعطي ويبذل ، لقرنه مجدل ، لا يخيم ولا ينكل ، فأبلغها أبوها ذلك ، فشاورت أختها عثمة فيهم فقالت لها : " ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل " اسمعي كلمة ناصحة لك : إن شر الغريبة يعلن ، وخيرها يدفن ، فانكحي في القرباء ولا تغررك أجسام الغرباء . فلم تقبل منها وبعثت إلى أبيها : أنكحني ( 1 ) مدركاً ، فأنكحها منه على مائة ناقة برعاتها ، فحملها مدرك ، فلم تلبث معه إلا قليلاً حتى أغار على غامد فوارس من بني مالك بن كنانة فاقتتلوا ساعة ، ثم انكشف زوجها وقومه ، فسباها بنو مالك فيمن سبوا ، وجعلت تبكي ، فقيل لها : ما يبكيك ؟ أعلى فراق زوجك ؟ قالت : قبحه الله ، قالوا : لقد كان جميلاً ، قالت : قبح الله جمالاً لا منعة معه ، إنما أبكي عصياني أختي ، وأخبرتهم خبرها ، فقال لها رجل منهم يكنى أبا نواس أسود ( 2 ) أفوه مضطرب الخلق : أترضين بي على أن أمنعك من ذؤبان العرب ؟ قالت لأصحابه : أكذلك هو ؟ قالوا : نعم إنه مع ما ترين ليمنع الحليلة وينقب القبيلة ، قالت : هذا أجمل جمالاً وأكمل كمالاً ، قد رضيته فزوجوها إياه . وقال الشاعر في هذا المثل ( 3 ) : ترى الفتيان كالنخل . . . وما يدريك ما الدخل وكل في الهوى ليث . . . وفيما نابه فسل وليس الشان في الوصل . . . ولكن أن يرى الفصل وأنشد أبو علي لهند بنت الخس : وقالت قولة أختي . . . وحجواها لها عقل

--> ( 1 ) س : زوجني . ( 2 ) س : وكان أسود . ( 3 ) الأبيات في البيان 1 : 220 .